عبد الكريم الخطيب
473
التفسير القرآنى للقرآن
في هذا الوقت جاءت الأنباء إلى أهل مكة تحدّث بتلك الحرب الدائرة بين الفرس والروم ، وبأن الغلبة كانت للفرس ، وكان لذلك فرحة في نفوس المشركين ، لم يستطيعوا أن يمسكوا بها في كيانهم ، بل انطلقوا يردّدونها فيما بينهم ، ويديرون أحاديثها على أسماع المسلمين ، استهزاء وسخرية وشماتة ، إذ كان المسلمون يمثلون الروم ، الذين يؤمنون بكتاب سماوي ، على حين كان المشركون يمثلون الفرس ، عبدة النار . . وأما وقد غلب عبدة النار أهل الكتاب ، فإن عبدة الأصنام المشركين ستكون لهم الغلبة دائما على الذين اتبعوا محمدا ، وآمنوا بالكتاب الذي معه ، وأن ما يعدهم به الكتاب الذي في أيديهم من نصر وعزّة ، ليس إلا خداعا ووهما كاذبا ، وأن فيما وقع بين الفرس والروم ، وما كان من انتصار الفرس على الروم لهو شاهد بيّن ، لا تدفع شهادته . . . وإذن فإن ما يدّعى بأنه كتب سماوية من عند اللّه - قديما وحديثا - هو مجرد كذب وافتراء . . إذ لو كانت هذه الكتب من عند اللّه لما خذل أتباعها أبدا . . . وإلا فأين اللّه وقد خذل أتباع كتبه ؟ هكذا كان تفكير المشركين وتقديرهم . وقد وجد المسلمون في أنفسهم شيئا من الأسى لتلك الهزيمة التي حلّت بالروم ، ثم ضاعف ذلك الأسى ، وزاد في مرارته ما كان يلقاهم به المشركون من كلمات ساخرة ، ونظرات شامتة . . ذلك والمسلمون قد كانت تنزف جراحاتهم دما ، من طعنات المشركين لهم ، في أجسامهم ، ومشاعرهم . . . على السواء . وفي كل موقف يشتد فيه البلاء على المؤمنين ، وتضيق فيه عليهم الأرض بما رحبت ، تطلع عليهم آية من آيات اللّه ، فتمسك بسفينتهم المضطربة ، وتنتزعها من يد العاصفة المجنونة المشتملة عليها ، وإذا الأمن والسلامة يحفّان